يسرائيل زيف ـ القناة ١٢ الاسرائيلية
إن إخراج الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مخبئه في كراكاس، في عملية عسكرية أميركية لامعة، ونقله إلى المحاكمة في الولايات المتحدة، يعيد إلى الساحة العالمية المكانة المحورية للولايات المتحدة، بصفتها “شرطي العالم”، وهي المكانة التي تراجعت خلال العقود الثلاثة الماضية.
مادورو هو أحد أبناء رعية هوغو تشافيز، الذي شغل منصب الرئاسة في فنزويلا مدة 14 عاماً (1998-2013). تسلّم تشافيز دولة ليبرالية، غنية ومزدهرة، لكنه قاد “ثورة” غيّر من خلالها الدستور، ووفق رؤيته البوليفارية، حوّل الدولة إلى ديكتاتورية اشتراكية، ونصّب نفسه حاكماً مطلق الصلاحيات.
وفي أواخر أيامه، تحولت فنزويلا – التي كانت من بين أكبر ثلاث دول مصدِّرة للنفط في العالم – إلى واحدة من أفقر الدول وأكثرها فساداً، مع هجرة سلبية هائلة شملت الطبقة الغنية، في معظمها، والطبقة الوسطى التي كانت تشكّل عماد الدولة.
مادورو، الذي كان سائق حافلة في الأصل، صعد وترعرع، بصفته المنفذ المخلّص وأقرب المقرّبين من تشافيز؛ وبصفته نائباً له، تولّى الحكم بعده، وفاز في انتخاباتٍ مزوّرة، المرة تلو الأُخرى، وهو المنصب الذي يتمسك به بالقوة منذ نحو 13 عاماً بحكمٍ استبدادي.
إن اعتقال مادورو والتغيير المتوقع في الحكم في فنزويلا يحملان تداعيات عالمية مهمة تصل أيضاً إلى منطقتنا؛ أولاً، تحولت فنزويلا إلى واحدة من أكبر مراكز تجارة المخدرات في العالم، إذ وقفت وراء كارتيلات عديدة خدمت النظام، وأصبحت من أكبر مُنتجي المخدرات عالمياً، التي كان يجري تهريبها إلى الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا، براً وبحراً. وكلما تضخمت تجارة المخدرات، كلما تراجعت عائدات النفط، التي تدهورت بسبب الانخفاض الحاد في مستوى الصيانة الناتج من الفساد الداخلي الهائل.
كذلك انخرط مادورو في تجارة نفطٍ سوداء، وفي الاتجار غير القانوني بالسلاح والمعادن التي بيعت في السوق السوداء؛ ونُقل إلى أيدي الروس بعض صفقات النفط، التي شملت استثمارات ضخمة في البنية التحتية والمعدات، والتي وافق الصينيون على تمويلها؛ فإلى جانب التقارب الأيديولوجي والشخصي، زوّد الروس فنزويلا بكميات كبيرة من المعدات العسكرية، وفي مقابل مبالغ طائلة، حصلوا على صفقات نفطٍ بمليارات الدولارات، وعُقد بعض هذه الصفقات بعد أن استثمر الصينيون جزءاً من الأموال؛ إن سقوط مادورو يُعدّ خبراً سيئاً للغاية بالنسبة إلى بوتين.
أمّا الشريكان الأكثر إخلاصاً في هذه التجارة الضخمة غير القانونية، فهُما الحرس الثوري الإيراني وتنظيم حزب الله، اللذان وفّرا أيضاً الحماية الشخصية لمادورو والدفاع عن نظامه، وكان جزء كبير من دخلهما يأتي من شبكة التهريب هذه التي شملت أكثر من مئة سفينة، وأسطول شاحنات كبيراً، ومئات الشركات الوهمية التي عملت في التجارة وتبييض الأموال.
وبفضل الثروات التي جُمعت على مدى أعوام، جرى الاستحواذ أيضاً على شركات نقل شرعية لا تزال تعمل وتحقق أرباحاً “نظيفة” تُحوَّل إلى جيوب الشركاء غير الشرعيين حتى اليوم، فضلاً عن شراء أصول عديدة في عدد من الأماكن في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا.
لقد نسج حزب الله علاقته بالنظام منذ أيام تشافيز، لكنها عُزِّزت بشكل كبير خلال فترة مادورو. وكان من بين أدوار الحرس الثوري وحزب الله حماية مادورو ونظامه، ومنع العملية التي نفّذها الأميركيون، وبشكل خاص مع وجود مؤشرات واضحة إلى قُرب تنفيذها. ومع ذلك، من المرجّح جداً أن تكون المعلومات الاستخباراتية عن مكان وجود مادورو جاءت من مصدر داخلي.
بالنسبة إلى حزب الله والحرس الثوري، تُعدّ هذه الضربة قاسية، من الصعب التقدير بدقة، لكن الحديث يدور حول خسارة دخلٍ سنوي يُقدّر بعشرات الملايين من الدولارات، وربما أيضاً خسارة أصول بقيمة مئات الملايين من الدولارات التي ربما تقع في أيدي الأميركيين لاحقاً.
بالنسبة إلى حزب الله، يشكل سقوط مادورو ونظامه ضربةً أشدّ قسوةً من الضربات التي تلقّاها في الحرب مع الجيش الإسرائيلي، لأن مادورو كان مصدر تجديده المالي، وإعادة بناء هذا المصدر ستكون أصعب كثيراً، هذا إذا كانت ممكنة.
