في وقت ينزح فيه أكثر من مليون لبناني من منازلهم وبلداتهم بفعل الحرب، تكشف صورة موازية على الجانب الإسرائيلي من الحدود، حيث يواصل مزارعو الشمال العمل في حقولهم رغم المخاطر، معتبرين أنفسهم جزءًا من منظومة “الدفاع” في مواجهة التهديدات.
بعد ساعات من مقتل المزارع عوفر (بوشكو) موسكوفيتز، عاد زملاؤه إلى الحقول وشغّلوا جراراتهم. بالنسبة لهم، لا تنتظر الأشجار انتهاء الحرب، وتوقف العمل يعني خسارة موسم كامل. لكن الدافع، وفق ما يقولون، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يرتبط بقناعة بأن الزراعة في المناطق الحدودية تمثّل عنصرًا من عناصر “الأمن”.
المزارع موتي يافيت، من مستوطنة كفار يوفال قرب الحدود اللبنانية، يختصر هذه الرؤية بالقول: “نحن نحافظ على الحدود كما يفعل الجيش”. يافيت، الذي يملك بساتين أفوكادو تبعد نحو كيلومتر ونصف عن الحدود، رفض مغادرة منزله طوال فترة الحرب، رغم احتراق نحو 30 دونمًا من أراضيه في مايو 2024.
ويشير إلى أن إعادة تأهيل الأراضي المتضررة لا تزال معلّقة بانتظار آلية تعويض رسمية، مضيفًا: “جهّزت الأرض لزراعة جديدة، لكن كل شيء توقف. ومع ذلك، عندما ينتهي الجيش من عمله، سنعود ونزرع من جديد”.
في كيبوتس مالكيا، لا تزال تداعيات مقتل موسكوفيتز حاضرة، وسط مطالبات بالتحقيق في ظروف الحادث. ويقول المزارع شاي جولاني إن العمل الزراعي اليوم “أكثر أمانًا نسبيًا” مقارنة بمراحل سابقة من التصعيد، لكنه يقرّ بأن التهديد لا يزال قائمًا، مشددًا على ضرورة استمرار الجيش في عملياته.
أما في مستوطنة المطلة، التي تعرضت مؤخرًا لقصف صاروخي دون إصابات، فيواصل المزارع ديفيد غرينبيرغ عمله اليومي في زراعة الخوخ والنكتارين والتفاح والأفوكادو. ويقول: “هذه ليست منطقة عسكرية مغلقة، ونحن نعتبر عملنا مهمة”.
ويضيف أن المزارعين في هذه المناطق ينظرون إلى عملهم كجزء من “خدمة عامة” في زمن الحرب، معتبرين أن البقاء في الأرض والاستمرار بالإنتاج يشكّلان رسالة صمود.
تعكس هذه الشهادات واقعًا معقّدًا على جانبي الحدود: في لبنان، نزوح واسع وخسائر بشرية ومادية كبيرة، وفي المقابل، محاولة إسرائيلية للحفاظ على نمط حياة طبيعي في مناطقها الحدودية، رغم استمرار التوترات والمخاطر الأمنية.
