رغم التوقعات الأكثر تشاؤماً بانهيار سريع، لا تزال أوكرانيا صامدة بعد أربع سنوات على اندلاع الحرب التي أطلقتها روسيا. وعلى امتداد جبهة تتجاوز ألف كيلومتر، تواصل القوات الأوكرانية القتال، بل وتنجح أحياناً في استعادة زمام المبادرة، في مشهد يعكس حرباً طويلة دخلت مرحلة الاستنزاف العميق دون أفق حاسم.
خلال أقل من ثلاثة أسابيع، تمكنت القوات الأوكرانية من استعادة نحو 400 كيلومتر مربع، وفق ما أعلن رئيس الأركان الأوكراني الجنرال أوليكساندر سيرسكي. ورغم محدودية هذا التقدم مقارنة بحجم الجبهة، فإنه يحمل دلالة معنوية في مواجهة تقدم روسي بلغ نحو 5000 كيلومتر مربع خلال عام 2025. ومع ذلك، لا تمثل هذه المكاسب سوى نسبة ضئيلة من الأراضي الأوكرانية، ما يعكس بطء العمليات لدى الطرفين.
في المقابل، دفعت روسيا ثمناً بشرياً وعسكرياً باهظاً. تشير تقديرات عسكرية إلى خسائر تصل إلى 30 ألف قتيل وجريح شهرياً، أي ما مجموعه نحو 426 ألفاً خلال عام واحد، إضافة إلى فقدان نحو 1900 دبابة. ومع ذلك، لم تؤثر هذه الخسائر على إصرار الرئيس فلاديمير بوتين على مواصلة الحرب، ما يعزز الانطباع بأن الصراع دخل حالة جمود استراتيجي.
ميدانياً، حققت أوكرانيا تقدماً في مناطق جنوب بوكروفسك ونحو نوفوبافليفكا، كما استعا دت بعض المبادرة في كوبيانسك، فيما تنفست زابوريجيا الصعداء بعد أن كانت مهددة في بداية العام. غير أن هذه التحركات توصف بأنها “رمزية” أكثر منها تحولاً استراتيجياً، خصوصاً في ظل تأثير الشتاء القاسي الذي حدّ من فاعلية المعدات العسكرية واستخدام الطائرات المسيّرة.
في الواقع، لم يعد الهدف المباشر لأي من الطرفين تحقيق نصر حاسم، بل تجنب الهزيمة. فروسيا تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، بينما تعاني أوكرانيا من نقص في الاحتياط العسكري. وعلى المستوى السياسي، يبدو الأفق مسدوداً: موسكو متمسكة بشروطها القصوى، وكييف ترفض التنازل عن أي أراضٍ، فيما يتردد الموقف الأميركي وتبقى القدرات الأوروبية محدودة.
يزيد من تعقيد المشهد الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تعرقل المجر المقرّبة من موسكو حزم العقوبات الجديدة والمساعدات المالية لكييف، فيما تتهم سلوفاكيا أوكرانيا بعرقلة إعادة تشغيل خط أنابيب “دروجبا” الحيوي لنقل النفط الروسي إلى أوروبا.
في هذا السياق، يرى مسؤول عسكري فرنسي رفيع أن “الوقت يعمل لصالح روسيا”، رغم بطء تقدمها الذي يقترب من حدود الفشل الاستراتيجي. أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الحرب الحالية تمثل “بداية حرب عالمية ثالثة”، في محاولة واضحة لحشد دعم غربي أكبر.
غير أن هذا الدعم يبقى العامل الحاسم. فبدون إمدادات مستمرة، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، يصعب على أوكرانيا الصمود. وتزداد المخاوف مع احتمال انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى، مثل التصعيد مع إيران، ما قد يؤثر على وتيرة الدعم العسكري لكييف.
في الأثناء، تواصل الضربات الروسية استهداف البنية التحتية للطاقة، ما ألحق أضراراً كبيرة بالشبكة الكهربائية الأوكرانية. ويُتوقع أن تستغل كييف فترة تحسن الطقس لإعادة تحصين منشآتها قبل الشتاء المقبل، في حال استمرت الحرب.
تشير تقديرات مراكز أبحاث عسكرية، بينها المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن (RUSI)، إلى أن روسيا مستعدة لمواصلة القتال حتى عام 2027، معتبرة أن مسار المفاوضات ليس سوى أداة لتفكيك الموقف الغربي.
في المحصلة، تبدو الحرب الأوكرانية اليوم عالقة في توازن هش: تقدم بطيء، خسائر ضخمة، ومواقف سياسية متصلبة. لا مؤشرات على نهاية قريبة، بل صراع مفتوح على الزمن… حيث يصبح الصمود بحد ذاته شكلاً من أشكال الانتصار.
