دراسة في مجلة «The Lancet» تستشرف أبرز المخاطر التي قد تهدد صحة الإنسان خلال العقود المقبلة، وتكشف أن مستقبل الصحة العامة لن يتحدد بالتقدم الطبي وحده، بل أيضاً بالتفاوت الاجتماعي والتلوث والصراعات والقرارات السياسية.
ما الذي يمكن أن يهدد صحة البشر مع اقتراب نهاية القرن الحادي والعشرين؟ هل هي الأوبئة وحدها، أم أن نمط الحياة الذي يعيشه الإنسان اليوم قد يكون أخطر من كثير من الكوارث التي يخشاها؟ وماذا عن التغير المناخي والمقاومة للمضادات الحيوية، وصولاً إلى احتمال اندلاع حرب نووية أو استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض مدمرة؟
هذه الأسئلة تشكل محور دراسة استشرافية نشرتها مجلة «The Lancet» الطبية، واستعرضتها صحيفة «لوموند» الفرنسية في تقرير للصحافية فلورانس روزييه في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وتحدد الدراسة 17 تهديداً رئيسياً قد تؤثر في صحة البشر ورفاههم حتى عام 2100، في محاولة لتحويل المخاطر المستقبلية إلى أداة تساعد الحكومات على التخطيط والاستعداد والوقاية.
ولا تقتصر أهمية الدراسة على تعداد الأخط ار، بل في جمعها عوامل تبدو متباعدة، من السمنة وقلة الحركة إلى الفقر وضعف التعليم، ومن التلوث والأوبئة إلى المخاطر الوجودية التي قد تهدد بقاء البشرية. وهي بذلك تقدم تصوراً واسعاً للصحة، لا باعتبارها مسألة طبية فحسب، بل نتيجة تفاعل بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والسياسية.
تقتصر المخاطر الصحية المقبلة على الأوبئة والأمراض الجديدة. فالسمنة والتلوث والفقر والتفاوت الاجتماعي قد تكون عوامل حاسمة في تحديد صحة البشر خلال العقود المقبلة، فيما تظل بعض التهديدات الكبرى مرتبطة بكوارث يصعب التنبؤ بها.
المخاطر الأكثر قرباً تبدأ من نمط الحياة
في مقدمة التهديدات التي حددتها الدراسة يأتي مزيج السمنة وسوء التغذية وقلة النشاط البدني. وقد يبدو إدراج هذه العوامل في صدارة المخاطر أقل إثارة من الحرب النووية أو الأوبئة الكبرى، لكنه يعكس حجم الأمراض التي يمكن أن تتراكم نتيجة أنماط الحياة غير الصحية.
فالسمنة وسوء التغذية والخمول البدني ترتبط بمخاطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان، فضلاً عن مشكلات صحية أخرى قد تتطلب علاجاً طويل الأمد وتؤثر في جودة الحياة.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية مع انتشار الأنظمة الغذائية غير المتوازنة وتراجع النشاط البدني في مجتمعات كثيرة. كما أن المشكلة لم تعد محصورة في البلدان الغنية، إذ تواجه دول منخفضة ومتوسطة الدخل تحديات متزايدة تتعلق بالتغذية والأمراض المزمنة، في ظل تفاوت فرص الحصول على الغذاء الصحي و الرعاية الطبية.
والرسالة هنا أن جزءاً كبيراً من العبء الصحي في المستقبل يرتبط بعوامل يمكن التأثير فيها اليوم، عبر السياسات الغذائية، وتشجيع النشاط البدني، وتحسين البيئة الحضرية، وتوفير خيارات صحية بأسعار مناسبة.
الفقر والتعليم: عوامل تحدد فرص البقاء بصحة جيدة
تضع الدراسة انخفاض مستوى التعليم والتفاوت في الدخل ضمن أبرز التهديدات التي قد تؤثر في صحة البشر خلال العقود المقبلة.
وهذا التصور يوسّع النقاش التقليدي حول الصحة، لأن المرض لا ينشأ دائماً من عوامل بيولوجية أو سلوكية منفصلة عن المجتمع. فالقدرة على الحصول على غذاء متوازن، والسكن في بيئة نظيفة، والوصول إلى الطبيب، وفهم المعلومات الصحية، كلها أمور تتأثر بمستوى الدخل والتعليم والفرص المتاحة.
وقد يجد الأفراد ذوو الموارد المحدودة أنفسهم أمام خيارات صحية أضيق، سواء بسبب ارتفاع كلفة العلاج أو صعوبة الوصول إلى الخدمات أو الاضطرار إلى العمل في ظروف مرهقة وغير آمنة.
كذلك، يمكن للتعليم أن يساعد في تعزيز الوعي الصحي، وفهم المخاطر، واتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن التغذية والوقاية والعلاج.
ومن هنا، لا تبدو مكافحة الفقر والتفاوت مجرد سياسة اقتصادية من فصلة عن الصحة العامة، بل جزءاً من الوقاية نفسها. فكلما تحسنت الظروف التي يعيش فيها الناس، ازدادت فرص الحد من عدد من الأمراض التي يمكن تجنبها.
قد تبدأ بعض أكبر التحديات الصحية من تفاصيل الحياة اليومية: ما نأكله، ومقدار حركتنا، وكيف نعيش ونعمل. والوقاية من السمنة وسوء التغذية والخمول قد تخفف عبئاً كبيراً من الأمراض المزمنة.
الصحة النفسية والشيخوخة: تحديان متصاعدان
تدرج الدراسة تدهور الصحة النفسية والشيخوخة المصحوبة بالأمراض ضمن قائمة المخاطر المستقبلية.
فالصحة النفسية ليست قضية هامشية أو منفصلة عن الصحة الجسدية، بل تؤثر في قدرة الإنسان على العمل والتعلم وبناء العلاقات ومواجهة الأزمات. كما يمكن أن تتداخل المشكلات النفسية مع الأمراض المزمنة، وتزيد صعوبة التعامل معها أو الالتزام بالعلاج.
وفي الوقت نفسه، يطرح ارتفاع متوسط العمر المتوقع تحدياً مختلفاً: كيف يمكن للمجتمعات أن تضمن حياة أطول وأكثر صحة، بدلاً من مجرد زيادة عدد السنوات التي يعيشها الإنسان؟
فالشيخوخة غير الصحية قد تعني سنوات إضافية من الإعاقة أو الاعتماد على الآخرين أو الحاجة إلى رعاية طويلة الأمد. ويستدعي ذلك تطوير أنظمة الرع اية الصحية والاجتماعية، وتعزيز الوقاية والكشف المبكر، وتحسين ظروف الحياة والعمل في المراحل المتقدمة من العمر.
ولا يكمن التحدي في إطالة العمر وحدها، بل في الحفاظ على الاستقلالية والقدرة على الحركة وجودة الحياة.
المضادات الحيوية والأوبئة: معركة لم تنتهِ
من بين التهديدات التي تستحق اهتماماً خاصاً، تبرز مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، إلى جانب احتمال ظهور أوبئة طبيعية جديدة.
وتنشأ مقاومة المضادات الحيوية عندما تصبح الكائنات الممرضة قادرة على مقاومة الأدوية المستخدمة لعلاج العدوى، ما يجعل بعض العلاجات أقل فعالية ويزيد صعوبة السيطرة على أمراض كانت قابلة للعلاج.
وتتجاوز تداعيات هذه المشكلة المستشفيات، إذ يمكن أن تؤثر في الجراحات وعلاجات السرطان وزراعة الأعضاء، وهي إجراءات تعتمد بدرجات مختلفة على القدرة على الوقاية من العدوى وعلاجها.
أما الأوبئة، فقد أظهرت التجارب الحديثة مدى قدرة الأمراض المعدية على تعطيل الأنظمة الصحية والاقتصادات، وإحداث اضطرابات تتجاوز حدود البلدان التي تبدأ فيها.
ولا يعني ذلك أن وباءً بعينه سيقع حتماً قبل نهاية القرن، بل إن الاستعداد للمخاطر الوبائية، وتحسين المراقبة الصحية، وتبادل المعلومات، وتطوير أدوات التشخيص والعلاج، كلها عناصر ضرورية لتقليل الأضرار المحتملة.
مقاومة المضادات الحيوية تهدد قدرة الطب على علاج بعض العدوى، وقد تجعل إجراءات مثل الجراحات وعلاجات السرطان أكثر خطورة. ومواجهة هذه المشكلة تتطلب الاستخدام المس
التلوث والمناخ: صحة الإنسان في مواجهة بيئته
تشمل القائمة أيضاً التلوث بالجسيمات الدقيقة وتغير المناخ، وهما عاملان يؤثران في الصحة بطرق متعددة.
يرتبط تلوث الهواء بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية، فيما يمكن لارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة أن يزيد المخاطر الصحية، خصوصاً لدى كبار السن والأطفال والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة، وكذلك العاملين في الخارج.
لكن تقدير أثر تغير المناخ في الدراسة يحتاج إلى قراءة حذرة. فقد جاء في مرتبة متأخرة نسبياً ضمن ترتيب التهديدات، إلا أن هذا لا يعني أنه أقل خطورة بالضرورة في جميع الظروف أو البلدان.
ويوضح تقرير «لوموند» أن التقييم احتسب بعض الآثار المباشرة على الصحة، ولم يشمل بصورة كاملة تداعيات أخرى مثل النزوح والجفاف وانعدام الأمن المائي والكوارث الطبيعية. وهذه الع وامل يمكن أن تؤثر بدورها في التغذية وانتشار الأمراض والحصول على الرعاية الصحية.
لذلك، ينبغي عدم التعامل مع ترتيب المخاطر بوصفه حكماً نهائياً على خطورتها في كل مكان، بل باعتباره نتيجة نموذج محدد وافتراضات وبيانات قابلة للمراجعة.
حين تتحول التكنولوجيا والحروب إلى تهديد وجودي
في الطرف الأكثر خطورة من قائمة التهديدات، تبرز احتمالات الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي والحرب النووية التي قد تؤدي إلى مجاعة واسعة النطاق.
ويختلف هذان الاحتمالان عن المخاطر الصحية التقليدية، لأن أثرهما المحتمل لا يقتصر على زيادة الأمراض أو الوفيات تدريجياً، بل قد يصل إلى كوارث واسعة النطاق تهدد استمرارية المجتمعات البشرية.
في حالة الذكاء الاصطناعي، تتعلق المخاوف بالاستخدام المتعمد للتكنولوجيا في أعمال مدمرة، بما في ذلك المساعدة في تطوير أسلحة بيولوجية أو تسهيل أنشطة ضارة. ولا يعني إدراج هذا الاحتمال أن مثل هذه الكارثة وشيكة أو مؤكدة، بل إن حجم العواقب المحتملة يستدعي أخذ المخاطر النادرة والخطيرة في الاعتبار.
أما الحرب النووية، فلا تتوقف آثارها على الخسائر المباشرة الناجمة عن الانفجارات، إذ يمكن أن تمتد إلى تعطيل البنية التحتية، وتدمير مصادر الغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، واحتمال حدوث تغيرات بيئية واسعة النطاق.
ويكمن التحدي في أن الأدلة التاريخية المتاحة لتقدير احتمال وقوع مثل هذه السيناريوهات محدودة، مقارنة بالبيانات المتوافرة عن السمنة أو التدخين أو الأمراض المزمنة. ولهذا اعتمد الباحثون، في بعض هذه التقديرات، على آراء خبراء وأساليب استشرافية، مع الإقرار بهامش عدم اليقين الأكبر.
بعض التهديدات المستقبلية لا يمكن احتواؤها بالأدوية والمستشفيات وحدها. فالحرب النووية أو الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي قد يخلّفان أضراراً واسعة النطاق، ما يجعل الوقاية والتعاون الدولي وإدارة المخاطر عناصر أساسية لحماية البشرية.
التهديدات السبعة عشر كما حددتها الدراسة
تضم القائمة، وفق تقرير «لوموند»، المخاطر الآتية:
ولا ينبغي قراءة هذه القائمة على أنها ترتيب عالمي ثابت ينطبق بالدرجة نفسها على جميع البلدان. فالأولويات الصحية تختلف بحسب العمر ومستوى الدخل والبيئة ونوعية الخدمات الصحية والظروف السياسية، كما يمكن أن يتغير ترتيب المخاطر وفق الافتراضات التي يقوم عليها النموذج.
لماذا لا تمثل الدراسة نبوءة حتمية؟
تعتمد الدراسة على مقارنة سيناريو مرجعي يستند إلى استمرار اتجاهات محددة، مع سيناريوهات مستقبلية أفضل وأسوأ لكل تهديد. ويُستخدم الفرق بين هذه السيناريوهات لتقدير العبء الصحي الذي يمكن تجنبه إذا اتُخذت إجراءات فعالة.
ومن بين المؤشرات التي اعتمدها الباحثون «سنوات الحياة المصححة باحتساب العجز»، وهو مقياس يجمع أثر الوفاة المبكرة والمرض والإعاقة على سنوات الحياة التي تُفقد بصحة جيدة.
وتتيح هذه المنهجية مقارنة تهديدات مختلفة ضمن إطار واحد، لكنها لا تلغي القيود المرتبطة بجودة البيانات أو الافتراضات المستخدمة في النمذجة. كما أن تقدير المخاطر المستقبلية المرتبطة بالحرب النووية أو الاستخدام الخبيث للذكاء الاصطناعي أكثر صعوبة من تقدير عبء الأمراض التي تتوافر عنها بيانات تاريخية واسعة.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين ما تدعمه الأدلة المتاحة بقوة، وما يبقى استشرافاً يعتمد على احتمالات وسيناريوهات غير مؤكدة.
الوقاية اليوم تحدد صحة الغد
الرسالة الأساسية للدراسة ليست أن البشرية تتجه حت ماً نحو كارثة صحية، بل أن عدداً كبيراً من المخاطر التي قد تواجهها في نهاية القرن يمكن الحد منها إذا بدأت الاستعدادات مبكراً.
ويتطلب ذلك أن تتجاوز الحكومات التعامل مع كل تهديد بصورة منفصلة، وأن تطور مؤسسات قادرة على مواجهة مجموعة مترابطة من المخاطر. فتحسين التعليم والحد من الفقر يمكن أن يدعما الوقاية الصحية، ومكافحة التلوث قد تقلل الأمراض المزمنة، وتعزيز الأنظمة الصحية يحسن الاستعداد للأوبئة، فيما يمكن للاستثمار في البحث العلمي أن يفتح المجال أمام علاجات وتقنيات جديدة.
كما أن التعاون الدولي يظل ضرورياً في مواجهة التهديدات التي لا تحترم الحدود، من الأوبئة ومقاومة المضادات الحيوية إلى تغير المناخ والمخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا.
إن استشراف الصحة حتى عام 2100 لا يهدف إلى رسم صورة قاتمة للمستقبل، بل إلى توسيع أفق القرارات الحالية. فالسنوات المتبقية حتى نهاية القرن طويلة بما يكفي لتغيير المسار، لكنها ليست مبرراً لتأجيل العمل.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو أي تهديد سيحتل المرتبة الأولى عام 2100، بل كم من الأمراض والوفيات والمعاناة يمكن تجنبها إذا بدأت المجتمعات الاستثمار في الوقاية اليوم.
