يشكّل قرار مجلس الوزراء القاضي بالحظر الفوري لنشاطات “حزب الله” الأمنية والعسكرية، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، نقطة تحوّل مفصلية في مقاربة الدولة لواحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخها الحديث.
فالقرار، بنصّه الصريح، لا يكتفي بتوصيف واقع قائم، بل يذهب إلى ما هو أبعد: إعلان واضح بأن أي نشاط عسكري أو أمني خارج إطار الدولة هو عمل خارج القانون، بصرف النظر عن الجهة التي تقوم به أو الذرائع التي تستند إليها. وهو بذلك يعيد تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بعد سنوات من الازدواجية التي أضعفت مؤسساتها وقيّدت قرارها السيادي.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة القرار بوصفه شجاعاً لأنه يواجه واقعاً طال تجنّبه، وحكيماً لأنه يعيد الاعتبار لمرجعية الدولة وسلطتها، وإنقاذياً لأنه يفتح الباب أمام مسار مختلف يعيد للبنان موقعه الطبيعي كدولة لا كساحة مفتوحة للصراعات.
تكمن أهمية القرار أيضاً في شقّه الإلزامي، إذ يطالب بشكل مباشر بتسليم السلاح، واضعاً حداً للمنطقة الرمادية التي سمحت، على مدى سنوات، بازدواجية في السلطة والقرار الأمني. كما يحدّد بوضوح المسار البديل، عبر حصر عمل “حزب الله” في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، ما يعني إعادة دمج العمل الحزبي في قواعد النظام الديمقراطي الطبيعي.
صحيح أنّ التجربة اللبنانية مليئة بقرارات كبيرة بقيت حبراً على ورق، وأن التحدي الحقيقي يبدأ مع التنفيذ، لا مع الإعلان. إلا أنّ هذا القرار يختلف من حيث وضوحه وحدّته، ومن حيث توقيته الذي يعكس تبدّلاً في المزاج السياسي الداخلي، وفي قدرة الدولة على طرح معادلات جديدة.
الأهم ربما، أنّ القرار يسحب تدريجياً ورقة التهديد بالحرب الأهلية من التداول السياسي. فحين تتخذ الدولة موقفاً واضحاً ومعلناً، فإن معادلة التخويف تفقد فعاليتها، ويصبح النقاش محكوماً بمنطق الدولة لا بمنطق فرض الأمر الواقع.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى هذا القرار إلا بوصفه محاولة جدية لإعادة رس م العلاقة بين الدولة والسلاح، وبين الشرعية وأي قوة تعمل خارجها. هو بداية مسار طويل ومعقّد، لكنه يضع الأساس الواضح: لا سيادة مكتملة من دون حصرية السلاح، ولا دولة فعلية في ظل ازدواجية القرار الأمني.
إنه قرار استعادة الدولة لدورها الطبيعي، ومحاولة لفكّ أسر لبنان من معادلة استنزفته طويلاً. نجاحه سيبقى رهناً بمدى القدرة على تحويله من نص سياسي إلى واقع فعلي، لكن صدوره بهذا الوضوح هو بحد ذاته بداية تحوّل لا يمكن تجاهله.