في لبنان، الخوف هو من يدير الحكم. السلطة لا تحكم بالأرقام ولا بالخطط، بل بمنسوب الرهبة التي تشعر بها من هذا الطرف أو ذاك.
حرس مجلس النواب أنفسهم الذين فقأوا عيون شباب وصبايا ثورة تشرين الأول 2019، هم من فتحوا الأبواب هذه المرّة أمام تظاهرة العسكريين المتقاعدين. لا لأنّ الحق تغيّر، بل لأنّ الحكومة، رئيسةً وأعضاءً، كانت ترتجف من ضغطهم وخطوهم نحو الداخل.
هكذا تُدار الدولة: قمع حين لا خوف، وتسهيل حين يشتدّ الضغط.
تحت هذا الخوف، اختارت الحكومة الطريق الأسهل: إرضاء فئة محدّدة، ولو على حساب المجتمع بأكمله. فجاءت القرارات الاقتصادية سريعة، غير مدروسة، وارتدّ ثمنها مباشرة على حياة الناس.
الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات مثال واضح. ارتفعت تفويلة السيارة بما معدّله 8 دولارات. رقم قد يبدو تفصيلاً في حسابات السلطة، لكنه في حياة المواطن يعني أكثر من عشرين دولارًا إضافية في الأسبوع، وأكثر من مئة دولار في الشهر، فقط للتنقّل.
في بلدٍ يعيش تضخّمًا خانقًا وانهيارًا اقتصاديًا، تصبح هذه الزيادة اقتطاعًا مباشرًا من القدرة على العمل، وزيارة الأهل، وتأمين أبسط متطلّبات العيش. ومع ارتفاع كلفة النقل، ترتفع تلقائيًا أسعار السلع والخدمات، في حلقة تضييق لا تنتهي.
الأخطر أنّ هذه السياسات تُعتمد في وقتٍ تُجمع فيه التجارب الاقتصادية على العكس تمامًا: في الأزمات، لا تُرفَع الضرائب، بل تُخفَّض، لتوسيع النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل.
لكن في لبنان، لا تُمسّ الثروات الكبيرة، ولا الحسابات الضخمة، ولا المداخيل العالية. لا عدالة ضريبية، ولا ضرائب تصاعدية، ولا مساءلة. بدل ذلك، يُصار إلى الضغط على لقمة الناس وتنقّلاتهم.
كان يمكن اختيار طريق آخر: تنشيط الإدارة العامة، إزالة الوظائف الوهمية، تحفيز الاستثمار عبر تخفيضات ضريبية طويلة الأمد مقابل تشغيل الشباب، وإعادة توزيع الأعباء بعدالة.
لكن ما جرى ليس إصلاحًا، بل ارتجال. ليس سياسة اقتصادية، بل إدارة خوف.
وفي كل مرة، يدفع المواطن الثمن.