لا تشبه الزيارة السنوية لرئيس سعد الحريري، رئيس تيار المستقبل، هذه المرّة سابقاتها، لناحية الزيارات التقليدية التي اعتاد القيام بها. لماذا؟
هذا السؤال تمّ توجيهه إلى مقرّبين من الحريري، فجاء الجواب: لعدم الإحراج.
سُئل هؤلاء: إحراج مَن؟ ومن مَن؟
أجابوا: إحراج الرؤساء مع المملكة العربية السعودية.
فصّل هؤلاء الجواب، فقالوا: رئيس الحكومة نواف سلام غادر البلاد قبل أن يصل الحريري إلى لبنان. وكانت مغادرته حمّالة أوجه، لجهة توقيتها ولجهة شكلها. غادر لتحاشي اللقاء مع الحريري، وافتعل مشهداً غير مسبوق في كل سفراته، بهدف لفت الانتباه.
وكان المقصود هنا طريقة مغادرته كمسافر ع ادي من مطار رفيق الحريري الدولي، وذلك تحت كاميرا تابعة لأحد مرافقيه.
وماذا عن الرئيس جوزاف عون؟
أجاب هؤلاء: لاحظنا السنة الماضية أنه حاول تفادي الإحراج. اضطرّ إلى تنظيم حملة استقبالات لرؤساء الحكومات السابقين، حتى يعطي، كما فهمنا، مبرّراً لاستقباله الحريري. بالنسبة لنا كان محرجاً، وأراد رفع الإحراج عنه.
ولماذا لم يزر الحريري، ككل سنة، في بداية لقاءاته، دار الفتوى؟
أجاب المقرّبون من الحريري: تركنا المبادرة للمفتي الشيخ عبد اللطيف دريان.
وبالمقارنة، زار دريان بيت الوسط السنة الماضية بحضور عشرات المشايخ التابعين لدار الفتوى. أمّا هذه السنة، فاقتصر الوفد الذي رافقه على مفتيي المناطق من دون المشايخ.
ويعتبر المقرّبون من الحريري أنّ «تيار المستقبل» يتعرّض هذا العام لنوع من «النأي بالنفس» عنه، ويشيرون إلى أنّ قناة الجديد، بعدما غطّت فعاليات الذكرى الحادية والعشرين لاغتيال الحريري، عادت وحاولت تقزيم الحضور الشعبي عبر بثّ دراسة تزعم أن الحضور لم يتخطَّ عشرين ألف شخص، في حين أنّ تقديرات بيت الوسط و«تيار المستقبل» تذهب إلى أن العدد الفعلي تراوح بين 150 و200 ألف شخص.
وفي المضمون، قالت هذه الأوساط إن الحريري يرفض أن يخوض أي معركة، مهما كانت طبيعتها، مع المملكة العربية السعودية، «التي تلقّفنا رسالتها».
ويُدرج في هذا السياق ملاحظة المراقبين بأن كلمة الحريري تعمّدت التريّث، فالعبارة التي أطلقها عن «سماع أصواتنا وعدّ أصواتنا» أبقت كل الاحتمالات واردة، لأنها، على سبيل المثال، لم تصل إلى مستوى الكلام عن «عدّ نوابنا».
وعليه، فإنّ خروج الحريري، الذي بدا سهلاً، من الحياة السياسية يواجه عودةً صعبة، وهو بعدما كان ينشد دعماً سعودياً فقده، يتطلّع اليوم إلى أن تكتفي الرياض بالعودة إلى مربّع الإهمال!
صحيح أنّ عودة الحريري ستُلحق ضرراً بكثيرين ممّن استفادوا من غيابه، لكنّ الصحيح أكثر أنّ غالبية من يهلّلون لعودته اليوم هم أولئك الذين طالما سعوا إلى إخراج السعودية من لبنان!
وثمّة حبّ يتباهى به الحريريون اليوم، من دون أن ينتبهوا إلى أنّه ينتمي إلى النوع السامّ جداً!