كتابع لهذه الافتتاحية، يمكن مشاهدة فيديو خاص، بالنقر هنا
غطّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على عملية «الظلام الأبدي» الدموية، التي استهدفت خلال نحو عشر دقائق بيروت والضاحية وجبل لبنان والجنوب، عبر إعلان الموافقة على بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان.
العملية، التي نُفذت بواسطة خمسين طائرة إسرائيلية واستهدفت – بحسب الرواية الإسرائيلية – نحو 200 قيادي وسطي في «حزب الله»، أثارت موجة إدانات دولية واسعة، وكادت تعصف بالمسار التفاوضي بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، والذي كان من المفترض أن ينعقد السبت، تحت مظلة هدنة مؤقتة.
في هذا السياق، تدخل دونالد ترامب، فوافق على استمرار العمليات الإسرائيلية ضمن سقف الهدنة، لكنه طلب من نتنياهو ضبط التصعيد بما لا يؤدي إلى نسف المفاوضات مع إيران، التي يبدو أن واشنطن تحتاج إلى مهلتها السياسية أكثر مما تحتاج إلى نتائجها الفورية.
استجاب نتنياهو، تحت ضغط أميركي ودولي، فقبل بفتح باب التفاوض المباشر مع لبنان – وهو مطلب لبناني طُرح سابقاً بعد دخول «حزب الله» الحرب دعماً لإيران.
بهذه الخطوة، يكون نتنياهو قد حقق مجموعة أهداف دفعة واحدة: امتصّ الضجة الدولية حول «الظلام الأبدي»، لبّى طلب واشنطن، سحب الملف اللبناني من يد إيران، ووضع «حزب الله» في مواجهة مباشرة مع الدولة اللبنانية، فارضاً معادلة تفاوض «تحت النار»، كما تفاوض واشنطن إيران تحت التهديد.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل يريد نتنياهو فعلاً أن تنجح هذه المفاوضات؟
الإجابة ليست حاسمة، لكن المؤشرات تميل إلى أن ما يجري هو مناورة أكثر منه مساراً جدياً. فنتنياهو يدرك أن الدولة اللبنانية لا تملك القدرة على تنفيذ تعهدات من هذا النوع، وأنها عجزت مراراً عن فرض سيادتها في ملف السلاح، ما يجعل أي اتفاق هشّاً منذ لحظة توقيعه.
في المقابل، لا يخسر نتنياهو شيئاً من الجلوس إلى طاولة التفاوض. بل على العكس، يكسب رواية سياسية: لبنان يطلب التفاوض، ودول الجوار لم تعد ترى في السلام مع إسرائيل أمراً محرّماً.
غير أن التجربة تشير إلى نمط متكرر. فقد كشف الرئيس السوري أحمد الشرع في حديثه من لندن أن مفاوضات سابقة مع إسرائيل، برعاية أميركية، كانت قد اقتربت من التوصل إلى اتفاق، قبل أن يقوم نتنياهو بنسفها في اللحظة الأخيرة والانسحاب منها.
وفي السياق نفسه، لا يُستبعد أن يكون مسار التفاوض الحالي جزءاً من إدارة الوقت أكثر منه سعياً إلى نتيجة، سواء لتمرير مرحلة حساسة أميركياً أو لإعادة ترتيب موازين القوة ميدانياً.
في المحصلة، يبدو أن نتنياهو يتعامل مع التفاوض كأداة ضمن إدارة الصراع، لا كمدخل لحلّه. حوار بين طرف عاجز وآخر قادر، يفرض شروطه، يرفع سقف مطالبه، ويحتفظ دائماً بخيار الانسحاب عندما تتعارض النتائج مع حساباته.
هكذا، لا تكون المفاوضات بديلاً عن الحرب، بل امتداداً لها… بوسائل مختلفة.
جولة شاملة على هذا الملف، في فيديو مفصل. للمشاهدة يرجى النقر هنا