قبل أسابيع قليلة، خيّر دونالد ترامب الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بين خيارين واضحين: اتفاق وفق الشروط الأميركية، أو مواجهة ضغط متصاعد. لم يكن العرض سياسيًا فقط، بل رافقه حشد عسكري علني ورسائل مباشرة بأن استخدام القوة خيار قائم. ولم تمضِ فترة طويلة حتى تُرجِم هذا الضغط بتدخّل عسكري خاطف ومفاجئ، نُفّذت خلاله عملية لم يكن الدفاع الفنزويلي على علم بها، على الرغم من كونه مدعومًا ميدانيًا بعناصر تابعة لحلفاء، أبرزهم كوبا وإيران، وبمنظومات دفاعية روسية وصينية متقدمة. وانتهت العملية بتوقيف مادورو واقتياده، مع زوجته، إلى نيويورك.
اليوم، يقدّم ترامب لإيران عرضًا مشابهًا في الشكل: تفاوض على «اتفاق عادل ومنصف» شرط التخلي ال كامل عن السلاح النووي، وتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، والتخلي عن الأذرع الميليشياوية في المنطقة. وفي المقابل، يرافق هذا العرض حشد عسكري غير مسبوق في محيط إيران، من الخليج إلى البحر الأحمر. الاتفاق مطروح، لكن تحت سقف التهديد، والمهلة تُدار على وقع الاستعراض العسكري.
قد لا تكون إيران، البعيدة جغرافيًا عن الولايات المتحدة، شبيهة بفنزويلا «الجارة»، لكن «العم ترامب هو العم ترامب نفسه»: يستعدّ عسكريًا أولًا، ثم يفتح باب المفاوضات بشروط لا تُخفي أنها أقرب إلى صكّ استسلام لقيادة الدولة المستهدفة. في فنزويلا، كان توقيف مادورو كافيًا. أمّا في إيران، فالمطلوب أكثر من رأس واحد: رؤوس كثيرة، وعقول كثيرة، وقدرات كثيرة.
أولئك الذين دعموا مادورو في فنزويلا هم أنفسهم الذين يدعمون إيران اليوم. غير أنّ رغبتهم في التصدّي لـ«العم ترامب» تبقى غائبة، إذ يقتصر دورهم على محاولة إقناع الطرف المطلوب إسقاطه بالتراجع، وكبح عناده، وتقديم تنازلات تُخفّف منسوب المواجهة، لا مواجهتها. فهم يدركون حدودهم، ويعرفون أنّ الدخول في صدام مباشر مع الولايات المتحدة ليس خيارًا واقعيًا.
وفي المقابل، يصعب على ترامب، الذي لم يتردّد يومًا في نشر صورته بزيّ «سوبرمان»، أن يتراجع وهو يلوّح بترسانة عسكرية كاسحة، ويعرض اتفاقًا له مهلة محددة تعرفها القيادة الإيرانية جيدًا. فالمعادلة التي يطرحها بسيطة وقاسية في آن: أعطني… أو آخذك.