النقاط الأساسية الخاصة بهذه الافتتاحية مع معطيات أخرى، في بودكاست . يمكن متابعته بالنقر هنا
يتقدم المشهد في لبنان نحو لحظة مفصلية تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الوقائع السياسية. الجديد هذه المرة لا يقتصر على تطور العمليات، بل يتجلى في ما كُشف داخل إسرائيل نفسها: اعتراف بحدود القوة العسكرية ممّا يمكن أن يضع سقفًا لأهداف الحرب، ويعيد تعريف ما يمكن عسكريًّا – وما لا يمكن – تحقيقه.
ويعكس هذا الاعتراف بحدود القوة الإسرائيلية نفسه على الرؤية التي سوف تتحكم بلبنان، في المستقبل القريب، حيث سيزداد الضغط على السلطة اللبنانية من أجل أن تلعب دورا رائدا، تحت طائلة ضرب الاستقرار ومنع إعادة الإعمار وتحويل التشريد المؤقت إلى تهجير دائم!
ما الذي حصل؟
في تطور لافت، قدّم ضابط رفيع في الجيش الإسرائيلي توصيفًا غير مسبوق لأهداف الحرب في لبنان، مؤكدًا أنها لا تتعدى كونها “خطوة مؤقتة”، وليست مسارًا فعليًا لنزع كامل سلاح “حزب الله”.
هذا التقييم العسكري الذي ينسف، عمليًا، “خطاب الحسم” السياسي، أحدث ضجة كبيرة على مستوى صنّاع القرار في إسرائيل.
“الضابط الكبير” الذي كان يجري تقييما للأوضاع على الجبهة اللبنانية مع المراسلين العسكريين في إسرائيل، شدد على أن تفكيك الحزب عسكريًا يتطلب احتلال لبنان بالكامل، وحتى في هذه الحالة لن يكون بالإمكان القضاء على كل السلاح.
الخلاصة التي طرحها كانت واضحة: يجب خفض سقف التوقعات، والتركيز على هدف أكثر واقعية يتمثل في تجر يد منطقة جنوب الليطاني من السلاح.
ضمن هذا الإطار، يعتمد الجيش الإسرائيلي مقاربة مستوحاة من غزة: تدمير القرى الحدودية، منع عودة السكان، وإنشاء شريط أمني يفصل بين الجانبين. الهدف هو تقليص التهديد المباشر، لا إنهاء السلاح.
هذه المقاربة، رغم فعاليتها التكتيكية، تعكس تحولًا جوهريًا: من محاولة الحسم إلى إدارة الصراع. النتيجة المتوقعة ليست إنهاء حزب الله على يد الجيش الإسرائيلي، بل الاكتفاء باحتوائه عسكريا ضمن معادلة ردع جديدة تتفوّق فيها إسرائيل.
هذا التوصيف لم يمرّ من دون صدام داخل إسرائيل. فقد تمسّك وزير الدفاع يسرائيل كاتس بهدف نزع سلاح حزب الله، فيما بدا رئيس الأركان إيال زامير أكثر حذرًا في موازنة الخطاب السياسي مع التقدير العسكري.
النتيجة: فجوة متزايدة بين ما يُقال للجمهور وما يمكن تحقيقه على الأرض.
بالتوازي، تتكشف أزمة عميقة في شمال إسرائيل. المجتمعات الحدودية تعاني من شيخوخة سكانية، وتراجع في عدد السكان، وعجز حتى عن تأمين عدد كافٍ من المقاتلين في وحدات الاحتياط. في بعض الحالات، يُستدعى رجال تجاوزوا الستين لسد النقص، فيما تفشل مجتمعات أخرى في بلوغ الحد الأدنى من الجاهزية، وفق ما تؤكد صحيفة “معاريف” بمقال مراسلها العسكري المقرب من قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي.
في الظاهر، يبدو أي اعتراف إسرائيلي بـ”حدود القوة” تطورًا إيجابيًا للبنان. فالتراجع عن خطاب الحسم العسكري الشامل يوحي بانخفاض احتمالات الحرب الواسعة. لكن عند التدقيق، يتضح أن هذا الاعتراف قد لا يحمل بالضرورة بشرى مطمئنة، بل ربما يفتح الباب أمام نمط مختلف من المواجهة، أكثر تعقيدًا واستدامة.
هذا الواقع يعكس معضلة أوسع: العبء الأمني يتزايد، بينما القاعدة البشرية القادرة على تحمله تتآكل.
يدرك الجيش الإسرائيلي أنه غير قادر حاليًا على خوض حرب واسعة تتطلب احتلالًا طويل الأمد. انتشار القوات على جبهات متعددة – من لبنان إلى غزة وسوريا والضفة الغربية – يستنزف قدراته، فيما لا يشكل جنود الاحتياط سوى نسبة ضئيلة من المجتمع. وهذا ما صارح به رئيس الأركان الإسرائيلي الحكومة الأمنية المصغرة، عندما رفعهما سماه ” الأعلام الحمراء العشرة”.
في ضوء هذه القيود، يتبلور اتجاه آخر: بدل محاولة القضاء على حزب الله عسكريًا، يتم العمل على إضعافه تدريجيًا عبر استهداف مصادر قوته. هذه الاستراتيجية لا تقوم على معركة واحدة فاصلة، بل على مسار طويل يجمع بين الضغط العسكري المحدود، والخنق الاقتصادي، والعزل السياسي.
يرتكز هذا المسار على ضرب التمويل والدعم الإيراني، بهدف دفع حزب الله إلى حالة عجز مالي تُفقده قدرته على الاستمرار كمنظومة متماسكة.
وفي هذا السياق، يبرز عامل إضافي يتمثل في تراجع قدرة إيران على تمويل حلفائها نتيجة الضغوط الاقتصادية. ورغم أن الدعم لن يتوقف بالكامل، نظراً إلى أهمية الحزب الاستراتيجية لطهران، إلا أنه مرشح للتقلص، ما يفتح ثغرات يمكن استثمارها. هذا طبعًا في حال استمرّ النظام ولم تُنهه الحرب الأميركية-الإسرائيلية أو تداعياتها في المستقبل القريب.
إلى جانب الضغط الخارجي، تُطرح فكرة إضعاف الحزب من داخل بيئته، عبر دعم قوى معارضة وربط إعادة إعمار لبنان بشروط سياسية. هذه المقاربة تراهن على إمكانية إعادة تشكيل المزاج داخل الطائفة الشيعية. لكنّ هذه الفكرة تبقى نظرية دفترية، نظراً إلى عمق حضور الحزب أمنيّا واجتماعياً ودينيًّا وسياسيًّا داخل البيئة الشيعية في لبنان.
الجغرافيا تمثل بدورها ساحة مواجهة حاسمة. فالحدود مع سوريا، التي شكلت شريان الإمداد الرئيسي، يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف إذا ما فُرضت رقابة مشددة. كما أن إصلاح إدارة الموانئ والمطار وتقليص نفوذ الحزب فيها قد يساهم في عزله عن العالم الخارجي.
كل هذه المسارات تصب في اتجاه واحد: إعادة بناء دور الدولة اللبنانية، خصوصًا الجيش، ليكون قادراً على فرض سيادة الدولة. غير أن هذا الهدف يصطدم بواقع داخلي هش، حيث تعاني المؤسسات من ضعف بنيوي عميق.
في موازاة هذا النقاش، برزت مواقف أكثر حدّة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد هاجم الجنرال يوم طوف ساميا القيادة السياسية والعسكرية، معتبراً أن الاستمرار في وضع حزب الله كهدف مباشر للحرب غير كافٍ لتحقيق نتيجة حاسمة.
وقال إن الحزب “جيش إرهاب ويستحق التصفية”، لكن- أضاف- من يريد فعلاً القضاء عليه “عليه أن يتعامل مع الدولة اللبنانية ويدمر بنيتها التحتية، حتى يفهم الشعب اللبناني أن هذا الحزب وهذه القيادة التي لا تحاربه جلبت عليه الكارثة”.
هذا الطرح يعكس توجهاً أكثر خطورة، يقوم على نقل الضغط من الحزب إلى الدولة والمجتمع، بما يحوّل الحرب من مواجهة عسكرية محدودة إلى أداة ضغط شاملة.
في موازاة التصعيد، يبقى الباب مفتوحًا أمام مسار سياسي قد يقود إلى تفاهمات أوسع، تشمل الحدود وربما ترتيبات أمنية طويلة الأمد. مثل هذا السيناريو، إن تحقق، سيشكل تحولًا استراتيجيًا في المنطقة.
ما كشفه الضابط الإسرائيلي الكبير وترددت صداه في مواقع صناعة القرار في إسرائيل، لم يكن مجرد تقييم ع سكري، بل إعادة ضبط للبوصلة ونقل العبء من إسرائيل إلى لبنان: لا حسم عسكريا، ولا حلول إلّا من خلال السلطة اللبنانية.
لبنان يقف أمام لحظة نادرة، حيث يتقاطع ضعف “حزب الله” مع حدود القوة الإسرائيلية. لكن بين هذين العاملين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الداخل اللبناني على التعامل مع هذا التحول.
السؤال لم يعد: هل يمكن تغيير الواقع؟ بل: من سيدفع كلفة هذا التغيير… وكيف؟