"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

مفاوضات تحت النار أو حرب بلا سقف

رئيس التحرير: فارس خشّان
الأربعاء، 18 مارس 2026

قبل بدء التحضيرات الأميركية – الإسرائيلية للحرب على إيران، وخلالها، رفضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح حكومة بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر لتوسيع هجومها على حزب الله في لبنان.

في تلك المرحلة كان موقف المسؤولين الأميركيين المعنيين بالملف اللبناني يقوم على دعوة إسرائيل إلى التريث، وإعطاء فرصة للاتصالات الجارية مع لبنان، وكذلك للاتصالات اللبنانية – اللبنانية، خصوصاً بعد ظهور مؤشرات إلى تغيّر في لهجة حزب الله.

فقد نقل مسؤولون لبنانيون إلى واشنطن أن الحزب أوصل إليهم رسالة مفادها أنه لن يكون بعد الآن في خدمة الأجندة الإيرانية، وأنه في حال اندلاع حرب ضد إيران لن يكون شريكاً في مواجهة إقليمية.

بالنسبة إلى إدارة ترامب، اعتُبرت هذه الإشارات تطوراً يستحق الاختبار، حتى لو كانت احتمالات نجاحه محدودة.

لكن التقييم الإسرائيلي كان مختلفاً تماماً.

فبحسب النظرة السائدة في تل أبيب، فإن هذا الرهان الأميركي يقوم على حسن نية مفرط تجاه المسؤولين اللبنانيين. إذ ترى إسرائيل أن حزب الله يتعامل مع الدولة اللبنانية بوصفها واجهة سياسية لا أكثر: يطمئنها بالكلمات، لكنه ينقلب على تعهداته عندما تحين لحظة القرار.

ورغم هذا الخلاف في التقدير، تمسكت واشنطن بموقفها، ورفضت إعطاء الضوء الأخضر لفتح جبهة لبنان قبل اتضاح مسار الحرب على إيران، وقبل إعطاء الدولة اللبنانية فرصة لإثبات قدرتها على ضبط الوضع.

غير أن التطورات الميدانية سرعان ما قلبت المعادلة. ففي الثاني من آذار أعلن حزب الله دخوله المعركة انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي ونصرة لإيران. ذلك الإعلان غيّر الحسابات في واشنطن.

فعُقدت سلسلة اجتماعات أميركية خُصصت للبنان، انتهت إلى منح الرئيس دونالد ترامب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر ليتصرف كما يشاء ضد حزب الله، باعتبار أن الحزب بات جزءاً مباشراً من الحرب الإقليمية.

ومع دخول الخطة العسكرية الإسرائيلية الخاصة بلبنان حيّز التنفيذ، مع الإبقاء على أولوية الحرب ضد إيران، بدأت المرحلة التمهيدية لما تعتبره إسرائيل معركة لاحقة تهدف إلى توجيه ضربة قاصمة للحزب.

في هذه الأثناء وصلت إلى الدولة اللبنانية رسائل أميركية شديدة اللهجة.

لم تقتصر هذه الرسائل على التهديد بوقف التعاون مع لبنان، بل تضمنت أيضاً تلويحاً بترك إسرائيل تتصرف بحرية كاملة، بما في ذلك التوغل البري أو تنفيذ اجتياح واسع. محاولة لبنانية لتجميد الكارثة!

في مواجهة هذا الضغط، حاولت الحكومة اللبنانية خلق مسافة بينها وبين حزب الله.

فأعلنت مواقف سياسية غير مسبوقة، وكُلّفت قيادة الجيش بالتحرك شمال نهر الليطاني لنزع سلاح الحزب.

غير أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل رفض ذلك خلال اجتماع الأركان، محذراً من التداعيات الداخلية الخطيرة لخطوة من هذا النوع.

دعم رئيس الجمهورية جوزيف عون موقف قائد الجيش بعدما تعرض لانتقادات حادة، قبل أن يشن هو نفسه هجوماً غير مسبوق على حزب الله، معتبراً أن الحزب يشكل خطراً على الكيان اللبناني ويسعى إلى تدمير الدولة.

وأرفق عون مواقفه بإطلاق مبادرة سياسية تقضي بوقف إطلاق النار والانتقال فوراً – وللمرة الأولى – إلى مفاوضات دولية مع إسرائيل برعاية دولية.

في البداية التزمت الولايات المتحدة الصمت، قبل أن تعلن موقفها بوضوح: لا مفاوضات قبل أن يبدأ لبنان عملياً بنزع سلاح حزب الله. أما إسرائيل فلم تعلق رسمياً على المبادرة.

في تلك الأثناء دخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على خط الأزمة، داعماً المبادرة اللبنانية، شرط أن تحظى بموافقة الطائفة الشيعية ممثلة برئيس مجلس النواب نبيه بري.

غير أن بري وضع شروطاً عدة قبل إرسال ممثل عن الطائفة الشيعية إلى المفاوضات، ما أدى عملياً إلى تعطيل المبادرة اللبنانية، لأن واشنطن وتل أبيب لم تكونا مستعدتين للعودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل دخول الحزب الحرب إلى جانب إيران.

أما حزب الله فرفض فكرة المفاوضات من أساسها، معلناً استمراره في القتال حتى تخضع إسرائيل لشروطه.

ورغم ذلك واصل الرئيس اللبناني الدفع بمبادرته، مطالباً بمهلة تسمح للدولة بنزع سلاح الحزب.

عند هذه النقطة تحركت إسرائيل، بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، على خطين متوازيين:

الأول رفع مستوى الحرب ضد حزب الله بحيث تتم أي مفاوضات محتملة تحت النار.

أما الثاني فكان سياسياً: وضع ملف لبنان في عهدة شخصية واحدة هي رون ديرمر.

لا يبدو اختيار ديرمر لهذه المهمة مصادفة. فالرجل، المولود عام 1971 في مدينة ميامي الأميركية، نشأ سياسياً داخل البيئة الأميركية قبل انتقاله إلى إسرائيل، ما جعله أحد السياسيين الإسرائيليين الأكثر قدرة على فهم آليات القرار في واشنطن.

برز نفوذه عندما شغل منصب سفير إسرائيل في الولايات المتحدة بين عامي 2013 و2021، حيث تحول إلى قناة الاتصال الأكثر تأثيراً بين حكومة نتنياهو والمؤسسة السياسية الأميركية. وخلال تلك السنوات لعب دوراً محورياً في المواجهة السياسية مع إدارة الرئيس باراك أوباما حول الاتفاق النووي مع إيران، قبل أن يصبح أحد مهندسي العلاقة الوثيقة مع إدارة دونالد ترامب التي أفضت إلى اتفاقيات التطبيع المعروفة باسم «اتفاقيات إبراهيم».

لهذا السبب يُنظر إليه داخل إسرائيل على أنه الرجل الأكثر خبرة في إدارة العلاقة مع واشنطن، وهي العلاقة الحاسمة في أي تسوية محتملة على الجبهة اللبنانية.

في تقدير كثير من المراقبين، يواجه لبنان مفاوضاً صعباً، فرون ديرمر معروف بصلابته في التفاوض، وباعتماده مبدأ بسيطاً: المفاوضات لا تُدار بعيداً عن الحرب، بل تحت ضغطها.

وقد ظهر هذا النهج بوضوح في جولات التفاوض التي رافقت الحرب في غزة، حيث جرت المفاوضات بالتوازي مع العمليات العسكرية، في محاولة لفرض وقائع ميدانية قبل الوصول إلى أي تسوية.

يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن لرون ديرمر أن يقبل باتفاق لا يتضمن نزع السلاح الكامل لحزب الله؟

في الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية، يُنظر إلى حزب الله باعتباره الذراع العسكرية الأبرز لإيران على الحدود الشمالية لإسرائيل. ولذلك يبقى الهدف النهائي المعلن إزالة هذا التهديد بالكامل.

لكن المقاربة الإسرائيلية تقوم على فرض المفاوضات تحت ضغط عسكري متصاعد.

ولهذا الغرض تعتمد إسرائيل استراتيجية تقوم على عدة عناصر:

أولاً، الاستمرار في توجيه ضربات عسكرية قاسية للحزب.

ثانياً، التلويح بضرب البنية التحتية اللبنانية، كما حصل بعد استهداف جسري الزرارية والخردلي اللذين يربطان شمال نهر الليطاني بجنوبه، وإقفال جسر القاسمية بالنار والركام، في رسالة واضحة مفادها أن انتقال مقاتلي الحزب نحو الجنوب سيؤدي إلى ضرب الطرق والجسور.

ثالثاً، إبقاء خيار توسيع العمليات العسكرية مفتوحاً، بما في ذلك احتلال أجزاء من الجنوب اللبناني وتنفيذ ضربات في العمق. رابعاً، عدم استبعاد تدخل أميركي عسكري أكثر مباشرة ضد منشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة العميقة.

في نهاية المطاف، يعكس تكليف رون ديرمر بمتابعة الملف اللبناني طبيعة الدور الذي يلعبه داخل النظام السياسي الإسرائيلي: رجل يعمل في الظل، لكنه حاضر في قلب القرارات الاستراتيجية الكبرى حيث يبرز “حزب الله” عدوا غير مقبول استمرار وجوده على الإطلاق.

المقال السابق
الكويت تعلن تفكيك شبكة "تخريبية" ثانية مرتبطة ب"حزب الله"
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

مأزق لبنان من مأزق جيشه

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية