عقد رئيس الحكومة نواف سلام، مساء يوم الجمعة الماضي، مؤتمراً صحافياً استهدف شرح الأسباب الموجبة للضرائب الجديدة التي فرضها مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي، لتغطية زيادات على الرواتب في القطاع العام تُقدَّر كلفتها بنحو 800 مليون دولار أميركي.
وردّ سلام على الانتقادات التي اقترحت ترشيد الإدارة كبديل، قائلاً:
“دعونا نعرض الأرقام كما هي، في القطاع العام يوجد 323 ألف موظف ومتقاعد، ومن ضمنهم: 119 ألفًا في الجيش والأسلاك الأمنية، فهل تريدون منا أن نخفّف عددهم؟ مع كل المهام المطلوبة من القوى الأمنية في البلد؟ في الجنوب، وعلى الحدود مع سوريا، وفي كل لبنان؟ هؤلاء إذا كان من الواجب شيء، فهو أن نزيد عددهم، لا أن ننقصه! وسنعقد مؤتمرًا للقوى الأمنية لتأمين الدعم المطلوب لزيادة عديدهم، وتدريبهم، وتسليحهم… لا لتقليص عددهم.
ثانياً، هناك حوالى 50 ألف موظف في القطاع التربوي، فصحيح أنّ هناك في بعض المواقع حاجة إلى إعادة تنظيم لزيادة الفعالية، لكن هل، في ظلّ الأزمة والضغط المتزايد على المدارس الرسمية، يمكننا صرفهم؟
ثالثاً، هناك حوالى 120 ألف متقاعد، فكيف تريدون منّا أن نرشد في هذا المجال؟ هؤلاء الذين خدموا الدولة اللبنانية في أصعب الظروف يستحقون أن يعيشوا حياة كريمة”.
وأشار إلى أنّ “الإدارة العامة تعمل حالياً بـ7169 موظفاً”، متسائلاً:
الأرقام تحت المجهر
عند وضع هذه الأرقام تحت التدقيق، يظهر خلل حسابي يطرح تساؤلات جدية حول دقة العرض. فبحسب التفصيل الذي قدّمه سلام، يبلغ مجموع العاملين والمتقاعدين في القطاع العام 323 ألفًا، موزعين على 119 ألفًا في الجيش والأسلاك الأمنية، و50 ألفًا في القطاع التربوي، و120 ألف متقاعد، إضافة إلى 7169 موظفًا في الإدارة العامة.
غير أنّ جمع هذه الأرقام يعطي نتيجة مختلفة: 119,000 + 50,000 + 120,000 + 7,169 = 296,169
أي أقل من الرقم الإجمالي المعلن.
بمقارنة الن اتج مع الرقم الكلي، يظهر فارق يبلغ: 323,000 − 296,169 = 26,831
أي أنّ هناك فجوة تقارب 27 ألفًا غير مفسّرة ضمن التصنيف المعروض.
قد يكون ذلك ناتجًا عن فئات لم تُذكر، أو عن اعتماد أرقام تقريبية، أو عن خلل في منهجية الاحتساب. لكن، أيًّا يكن السبب، فإن النتيجة واحدة: عرض رقمي غير مكتمل.
المسألة لا تتعلق بمجرد فارق عددي، بل بجوهر النقاش. فالحجة التي قدّمها رئيس الحكومة تقوم على تفكيك الرقم الإجمالي لإثبات أنّ كل فئة غير قابلة للتقليص. لكن عندما لا يكتمل هذا التفكيك حسابيًا، تضعف الحجة نفسها.
كيف يمكن رفض الترشيد استنادًا إلى أرقام لا تتطابق عند جمعها؟ وكيف يمكن بناء سياسة إصلاحية على قاعدة غير دقيقة؟
ما تكشفه هذه الأرقام ليس فقط خللًا حسابيًا، بل خللًا في الدقة. وفي بلد مثل لبنان، حيث يشكّل القطاع العام محورًا أساسيًا في النقاش المالي والإصلاحي، تصبح الأرقام الدقيقة شرطًا أوليًا لأي نقاش جدي.
فالإصلاح لا يبدأ من القرارات… بل من الأرقام الصحيحة.