على إيقاع تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشنّ عملية عسكرية ضد النظام الإيراني، على خلفية إقدامه على قتل المتظاهرين في إيران، عاد الهدوء إلى الشارع الإيراني من أقصاه إلى أقصاه، بعدما كان قد اشتعل غضباً على مدى أسبوعين، منذ أقدم تجار البازار، في الثامن والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، للمرة الأولى منذ قيام “الجمهورية الإسلامية”، إلى إغلاق محلاتهم والتظاهر، على خلفية الإنهيار الدراماتيكي الجديد في قيمة العملة الوطنية ووصولها إلى مستوى متهاوٍ غير مسبوق.
قبل خروج تهديدات دونالد ترامب إلى الضوء، كانت الانتفاضة الشعبية تكبر أكثر وأكثر، وتمّت مواجهة القمع بردات فعل عنفية ضد المؤسسات العامة وكل ما يرمز إلى النظام الإيراني، ولفت انتباه المراقبين بهوت الحماسة في الأجهزة الأمنية على التصدي للناس، لاقتناع الجميع بأنّه لا يمكن السكوت على العجز عن مواجهة الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي في ظل قناعة عارمة بتفشي الفساد في البلاد وتعزيز طبقة أثرياء النظام على حساب عامة الناس والطبقة الوسطى التي تنقرض!
بمجرد أن أخذت تهديدات ترامب طابع الجدية، وبدأ الجميع يتصرفون على قاعدة أنّها دخلت مرحلة التنفيذ، حتى هدأ الشارع الإيراني. بدا كأنّ “النجدة” الآتية “حتمًا” من الخارج، قد أعادت له الأمل بالحياة، فاستكان وراح ينتظر واثقًا بأنّ ترامب - إيران لن يكون أوباما - سوريا، وفق ما أقنعه بذلك السيناتور ليندسي غراهام الذي شاء أن يواكب هجوم صديقه المقرب- قبل إلغائه- من منزل ابن شاه إيران المخلوع رضا بهلوي!
ولكنّ ترامب، في الربع الساعة الأخير، بدأ كأنّه نسخة جديدة عن أوباما. أوقف الرئيس الحالي هجومه بحجة أن النظام الإيراني جمّد عمليات إعدام كان سيُقدم عليها، تماما كما أوقف الرئيس السابق هجومه بعدما وافق النظام السوري يومها على تفكيك ترسانته الكيميائية!
تراجع أوباما عن قرار التدخل ضد النظام السوري، أحبط يومها المعارضة السورية المعتدلة. تراجعت هذه المعارضة إلى مستويات انعدام الوجود في أماك ن كثيرة، لمصلحة صعود استثنائي للتنظيمات الراديكالية الخطرة، يتقدمها “داعش”، ودخلت دول وقوى ساهمت في إطالة المأساة السورية وعمر النظام في آن. تراجع أوباما هذا أدخل إلى سوريا “الحرس الثوري الإيراني” وأذرعه في المنطقة قبل ان يُدخل الروسي!
هذه التجربة عاشها اللبنانيون أيضا في صيف العام ٢٠٢٠، بعد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس. يومها أتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، وقال لمن لم يتركوا الشارع الاحتجاجي، منذ ١٧ تشرين الأوّل/ أكتوبر ٢٠١٩، ” خلص، اتكلوا عليّ، سوف أحقّق لكم أهدافكم النبيلة”.
ورويدًا رويدًا هدأ الشارع اللبناني، وانتظر الفرج على يد ” المنقذ الفرنسي”. لكنّ ماكرون وجد نفسه في دوّامة الطبقة السياسية اللبنانية التي تعد بما لا تفي، وتتعهد بما لا تنفّذ، في وقت لا يملك هو وسائل تطبيق رؤيته. وهكذا أعاد تدخل ماكرون الحياة إلى الممسكين بالنظام اللبناني الذين استعانوا بالأقنعة، بداية قبل أن يعودوا، لاحقًا بقوة أكبر من أي وقت مضى. ومنذ ذلك الحين لم يعد هناك شيء، مهما كان فظيعا ومثيرا، يمكن أن يعيد الشارع إلى السعي نحو التغيير!
وهكذا يتضح أنّ التدخل الخارجي متى أصبح وعدًا فارغًا، انقلب لمصلحة النظام القائم لأنّه يبرّد همّة الشارع ويصوّره، متى حاول ا لإحتجاج، كما لو كان مجرد عميل خارجي!
ثمة من يعتقد بأنّ ترامب يستحيل أن يرضى بأن يكون نسخة جديدة لأوباما الذي يكرهه ويكاد لا يغيب يوما عن لسانه السليط. بالنسبة لهؤلاء، هو في وضعية الاضطرار لكسب الوقت لتحريك آلته العسكرية من بحر الصين إلى البحر الأحمر، في وقت يحاول فيه أن يأخذ من القيادة الإيرانية ما كان، حتى مساء الأربعاء، مستحيلا، أي النووي والصواريخ البالستية و” الأذرع” وتجميد أحكام الإعدام بمن رفعوا لافتات تطلب منه النجدة!