ليس ما جرى مجرد تصعيد عسكري واسع، بل إعلان انتقال إلى نمط جديد من الحرب. فالهجوم الإسرائيلي المتزامن على امتداد الجغرافيا اللبنانية، مع انطلاق ما سُمّي بعملية “الظلام الأبدي”، لا يمكن قراءته كعملية ردع تقليدية، بل كاستراتيجية تفكيك شاملة تستهدف البنية قبل الأهداف، والقدرة قبل النيات.
التسمية بحد ذاتها ليست تفصيلاً. “الظلام الأبدي” ليس مجرد عنوان، بل توصيف دقيق لطبيعة العملية: حرب تُدار لإفقاد الخصم القدرة على الرؤية قبل القدرة على الرد. فالظلام هنا يعني شلّ الإدراك—قطع التواصل، ضرب القيادات الوسطية، وتشويش منظومة القيادة والسيطرة—بحيث يتحول التنظيم إلى أجزاء مفككة تعمل بلا تنسيق.
أول ما يكشفه هذا الهجوم هو إسقاط مفهوم “الجبهة”. لم يعد الجنوب وحده ساحة الاشتباك، ولا الضاحية وحدها هدفًا مركزيًا، بل بات لبنان كله مجال عمليات مفتوحًا. هذا التوسّع المتزامن ليس عشوائيًا، بل يقوم على قاعدة استخباراتية دقيقة تهدف إلى ضرب شبكة مترابطة، لا مواقع منفصلة. وحين تصبح البنية موزّعة، يصبح الاستهداف موزّعًا بالضرورة.
لكن الأهم ليس في الجغرافيا، بل في نوعية الأهداف. فإسرائيل لم تعد تركّز على “الرؤوس” فقط، لأن استبدالها ممكن ضمن بنية عقائدية جاهزة. الدرس الذي استخلصته من جولات سابقة—ومن اغتيالات قيادية وصولًا إلى استهداف كوادر ميدانية وتقنية، بما فيها “حملة البايجر” قبيل عملية “سهام الشمال” في أيلول 2024—هو أن العقدة الحقيقية تكمن في القيادات الوسطية.
هذه الطبقة هي التي تمسك بالخيوط: تنسّق، تدير، وتحوّل القرار إلى فعل. ضربها لا يُسقط التنظيم فورًا، لكنه يُفقده القدرة على العمل. ومع الضربات المتزامنة، يتكرّس “الظلام”: انقطاع في التواصل، ارتباك في القرار، وضياع في الصورة الميدانية.
إقليميًا، لا يمكن فصل هذا المشهد عن القرار الأميركي بفصل الساحة اللبنانية عن تفاهمات التهدئة مع إيران. هذا القرار، الذي تبنّاه دونالد ترامب، منح إسرائيل حرية حركة شبه كاملة في لبنان، مقابل إبقاء التصعيد تحت السيطرة إقليميًا.
أما إيران، فتبدو عالقة بين التزامها تجاه حليفها ورغبتها في تجنّب مواجهة شاملة. لذلك ترتفع لهجة التهديد، لكن ضمن سقف محسوب، تديره شخصيات مثل محمد باقر قاليباف ومسعود بزشكيان وعباس عراقجي، حيث تغلب البراغماتية على الاندفاع.
لكن الأخطر في هذا الاستهداف الشامل لا يقتصر على البعد العسكري، بل يتسلل إلى النسيج الاجتماعي نفسه. إذ يخلق فجوة حقيقية بين الناس والمنتسبين إلى حزب الله. فحين يصبح وجود العنصر الحزبي سببًا مباشرًا لجذب الضربات، يتحول—في نظر البيئة نفسها—من عنصر حماية إلى مصدر خطر، ومن جزء من الجماعة إلى عبء دموي عليها، وجاذب لمخاطر الموت والدمار.