"لا تقف متفرجاً"
مقالات الإفتتاحيّةإعرف أكثرالحدثأنتم والحدث
تابعونافلاش نيوز

هنيئًا لأعدائه به!

رئيس التحرير: فارس خشّان
الأربعاء، 4 مارس 2026

تُنسب عبارة «عليّ وعلى أعدائي يا رب» إلى شمشون الجبار في سفر القضاة من التوراة.

وفق النص التوراتي، اقتيد شمشون بعدما أسره الفلسطينيون وفقأوا عينيه إلى معبد الإله الوثني داجون. هناك دعا الله أن يعيد إليه قوته للحظة واحدة. وعندما استجاب له، أمسك عمودي المعبد وهدمه، فمات مع أعدائه وقتل منهم عدداً كبيراً. لذلك تُستعمل العبارة الأدبية الشائعة «عليّ وعلى أعدائي يا رب» كتعبير أدبي مبسّط عن قوله في تلك اللحظة: «لتَمُتْ نفسي مع الفلسطينيين».

للوهلة الأولى، قد يجد بعض المتابعين تشابهاً بين لحظة شمشون تلك وبين ما فعله «حزب الله» قبل أيام. لكن هذا التشابه يختفي سريعاً عند التمعّن في الوقائع.

شمشون، عندما استدعى قوته ليهدم المعبد، كان فيه أعداؤه. لم يكن فيه أهله وناسه وشعبه. ولم يكن الهيكل الذي هدمه هيكلاً لربه وإلهه.

أما ما فعله «حزب الله»، فهو أمر مختلف تماماً. ما حدث لا يشبه شيئاً في التاريخ العسكري والحربي، وهو، بكل معطياته، أقرب إلى تحريف للرواية الحسينية عن مسارها الصحيح، وعن ظروفها المختلفة جذرياً عن ظروف الحزب وبيئته ووطنه.

ما جرى يحمل شيئاً من الهذيان العسكري والوطني. أشبه بمقامر يائس يبيع منزله على طاولة الميسر، لعل الحظ المتخيّل يعيد إليه بعض ما خسره.

السؤال البديهي هنا: كيف كان يفكّر «حزب الله» عندما قرر فتح هذه الحرب؟

من الصعب أن يقدّم عاقل واحد جواباً منطقياً. ما يُطرح حتى الآن ليس سوى تبريرات سفسطائية.

حتى الحديث عن مساندة إيران يبدو أقرب إلى الهذيان السياسي. فإسرائيل، عملياً، كانت مستعدة منذ زمن لاحتمال تدخل «حزب الله». لقد هيّأت نفسها لذلك منذ اللحظة التي جرى فيها التوصل إلى اتفاق وقف العمليات العدائية. بل إن خطط الحرب عليه كانت موجودة أصلاً، لكنها أُرجئت مراراً في إطار حسابات مشتركة مع الإدارة الأميركية.

في تلك المرحلة، كانت السلطة اللبنانية تؤكد أنها احتكرت قرار الحرب والسلم، وتجادل بأنها، وإن كانت لم تنتزع سلاح الحزب، فقد نجحت عملياً في احتوائه ومنع تحريكه أو إخراجه من مخازنه.

حتى في حرب إسناد غزة، وعلى الرغم من محدودية تأثيره، كان «حزب الله» أكثر فاعلية مما هو عليه الآن. يومها كان بكامل قوته وبأسه وانتشاره. كانت مواقعه على الحدود والأودية والممرات واسعة وسرية ومحميّة.

أما اليوم، وبالمعادلة العسكرية البحتة، فإن «حزب الله» يبدو بلا قيمة عسكرية تُذكر. إلى درجة أن إسرائيل تعاملت مع دخوله الحرب كما لو أنه اختار بنفسه الوقوع في فخٍ نُصب له بعناية.

بل إن بعض التحليلات الإسرائيلية ذهبت أبعد من ذلك. فبحسب تعبير نشرته صحيفة «معاريف» في مقال لمراسلها العسكري، فإن الهدف بات واضحاً: «سلخ جلده» وتركه جثة هامدة، تشجع الآخرين على الانقضاض عليه وتقطيعه إرباً إرباً.

وهنا يعود السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كان شمشون قد قال «لتَمُت نفسي مع الفلسطينيين»، فمع من يموت لبنان اليوم؟ وعلى من يُهدّم الهيكل؟

ومن هم الأعداء المغدور بهم، ومن هم الضحايا الفعليون؟ أليسوا هؤلاء الذين يُقتلون تحت أنقاض بناياتهم المسكونة؟ أليسوا هؤلاء الذين ينزحون بعشرات الآلاف، ويفترش كثيرون منهم الطرق الباردة؟ أليسوا هؤلاء الذين أضيفت إلى مآسيهم كوارث جديدة، لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟

إنها معادلة قاتلة: أن يُدمَّر البيت بمن فيه، باسم معركة لا يملك أصحاب البيت قرارها.

وفي هذه اللحظة بالذات، قد لا يجد أعداء «حزب الله» عبارة أبلغ من القول: هنيئًا لنا به!

المقال السابق
تحذير قضائي من السلاح غير المرخّص… وأوساط: القرار يستهدف عملياً سلاح «حزب الله»
رئيس التحرير: فارس خشّان

رئيس التحرير: فارس خشّان

مقالات ذات صلة

وأخيرًا!

روابط سريعة

للإعلان معناأنتم والحدثالحدثإعرف أكثرمقالات

الشبكات الاجتماعية