صورة “سوبرمان” التي يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إضفاءها على نفسه، منذ نشرها له حساب البيت الأبيض على مواقع التواصل الاجتماعي، في تموز/ يوليو الماضي، تعززت في كاراكاس، بعد نجاح عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادها إلى سجن فدرالي في مدينة نيويورك. ومنذ تلك اللحظة، تصرف ترامب كما لو كان يختصر القانون الدولي بشخصه. وجه تهديدات شرقًا وغربًا، ووصل إلى قادة النظام الإيراني وهددهم بملاقاة الجحيم، إن هم قمعوا بالقتل المتظاهرين في بلادهم!
ومنذ نطق ترامب بكلماته هذه، أصبح تحت رقابة حلفائه وأصدقائه اللصيقين، قبل خصومه. راح المقربون، يهددون باسمه قادة إيران ووصل الأمر بالسيناتور ليندسي غراهام إلى تهديد المرشد الإيراني علي خامنئي ” بالقتل على يد ترامب”.
ولكنّ الخامنئي، وعلى إيقاع قراره بالتصدي ل ” المخربين” وقطع الإنترنت والهاتف ونشر “الحرس الثوري” حيث تنتشر التظاهرات والاحتجاجات، قرر مواجهة ترامب وتحديه، حتى وصل به الأمر إلى الإعراب عن قناعته بأنّ نظامه باق في حين ترامب هو الذي سيسقط كما سقط فرعون والأباطرة!
تحدّي خامنئي هذا لن يكون مريحًا ل “سوبرمان”. قبل ذلك بساعات قليلة، حاول ترامب أن يتجنّب حشره في الزاوية الإيرانية. أعطى ما بدأ أنّه مؤشر ضعف وقرينة تراجع. حصل ذلك عندما سأله زميل أميركي عمّا سيفعل، وسط تقارير واردة من إيران تفيد بتخطي عدد الضحايا الثلاثين شخصًا الآن بدأ الحديث عن مئات عدة)، فرد ترامب بأنّ هؤلاء ليسوا ضحايا القمع، بل سقطوا في عمليات التدافع، معلنًا رفضه استقبال ابن الشاه المخلوع الذي يحاول الإستفادة من المشهد المضطرب وتصوير نفسه البديل الوحيد. بعد هذا الموقف أطلّ خامنئي وأعلن ما أعلنه من مواقف ضد المنتفضين على نظامه وضد الرئيس الأميركي، مطلقًا بذلك عملية إخماد “الثورة” التي تتنامى حجمًا، وامتدادًا، وأعدادًا، وجرأة!
ماذا سيفعل ترامب، والحالة هذه؟
لا يملك أحد القدرة على تقديم الجواب الحاسم، في ظل اعتماد ” الخديعة” حيال كل ما يتصل بالأعمال العسكرية، بحيث تتطلب الخطط أكبر قدر من السريّة والتمويه وإخفاء الأهداف ، ولكن وفق ظاهر الحال، يبدو من الواضح أنّ البراغماتية الأميركية تعتبر أنّه، وحتى إشعار آخر، يمكن اعتماد ما يحصل في الشارع الإيراني وعجز السلطة عن تقديم حلول سياسية واقتصادية واجتماعية ومالية ناجعة في ظل العقوبات القاسية، كواحدة من أقوى أوراق الضغط على النظام الإيراني ليتراجع عن رفضه كل حوار مع واشنطن يقوم على معادلة “تصفير” التخصيب النووي وتفكيك البرامج الصاروخي الباليستي. وهذا تحديدًا ما لفت إليه تلميحًا نائب الرئيس الأميركي جي.دي. فانس. الجمعة حين قال:” نحن ندعم أيّ شخص يشارك في احتجاجات سلمية (…) وأذكى خطوة كان يمكنهم (قادة إيران) القيام بها، والتي كانت صحيحة قبل شهرين وما زالت صحيحة اليوم، هي الدخول في مفاوضات حقيقية مع الولايات المتحدة”.
ولكنّ كل هذا لا يُلغي أنّ ترامب سيبقى أسير صورة “سوبرمان” التي رسمها لنفسه، وهي صورة سوف تحاول إسرائيل الإستفادة منها لدفعه إلى تنفيذ تهديداته.
ولا يمكن الاستخفاف بالتفاؤل المعلن باسقاط النظام الإيراني الذي أبداه رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، بعدما التزم الصمت لأيّام. لم يبنِ نتنياهو تفاؤله على التقارير الإعلامية، فدولته، باعترافها، تملك الكثير من المتعاونين مع الموساد في الداخل، والذين لعبوا دورًا أساسيًّا، في التمهيد، لاجتياح الطيران الإسرائيلي الحربي للأجواء الإيرانية خلال “حرب ال١٢ يوما” في حزيران/ يونيو السابق!
على الأرجح، يقول بعض المراقبين، انّ هناك نقطة تقاطع بين ترامب ونتنياهو، وهي التخلص من جزء من النظام الإيراني، فهما يفضلان تحويل القوة من ” الحرس الثوري” إلى الجيش ومن علي خامنئي إلى مسعود بزشكيان. أي شيء شبيه جدًا بما حصل في فنزويلا، حيث يتم تغيير السلوك وليس الإطاحة بالنظام!