بينما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحديث عن اقتراب اتفاق تاريخي مع إيران، تبدو طهران منشغلة بأمر مختلف تماماً: كتابة رواية النصر.
المفارقة أن ما لم تستطع الجمهورية الإسلامية تحقيقه عسكرياً أو اقتصادياً خلال سنوات طويلة من العقوبات والضغوط، قد تحصل عليه اليوم سياسياً وإعلامياً. فكلما ارتفع منسوب التفاؤل الأميركي بقرب الاتفاق، ارتفعت في المقابل أصوات المسؤولين الإيرانيين الذين يتحدثون بلغة المنتصر لا بلغة الطرف الساعي إلى تسوية.
بعد ساعات فقط من انتهاء الجولة الأخيرة من المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، لم تتحدث طهران عن التهدئة أو التسوية أو خفض التوتر. على العكس تماماً، امتلأت المنابر الرسمية وشبه الرسمية بخطابات تتحدث عن “كسر المعادلات” و”تغيير النظام الأمني في المنطقة” و”ولادة معادلة إقليمية جديدة”.
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أعلن صراحة أن بلاده “كسرت معادلة وقف إطلاق النار”، مهدداً بتكرار الأمر مستقبلاً. أما مستشار المرشد الأعلى محسن رضائي فتحدث عن إبقاء “اليد على الزناد”، فيما ذهب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القادر إلى التهديد بتحويل المنطقة إلى “جحيم” إذا أخطأت الولايات المتحدة أو إسرائيل في حساباتهما.
في الظروف الطبيعية، يفترض أن تكون مثل هذه التصريحات مؤشراً إلى فشل المسار التفاوضي أو تعثره. لكن ما يحدث هو العكس تماماً. فبينما يهدد المسؤولون الإيرانيون، يخرج ترامب ليؤكد أن الاتفاق بات أقرب من أي وقت مضى، وأن توقيعه قد يتم خلال أيام.
هنا تحديداً تولد سردية النصر الإيرانية.
ففي الوعي السياسي الإيراني، لا يُقاس الانتصار بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو الأهداف التي ضُربت، بل بقدرة النظام على الصمود ثم انتزاع اعتراف خصومه بأنه ما زال لاعباً لا يمكن تجاوزه. وعندما يسمع الإيراني العادي الرئيس الأميركي يتحدث عن اتفاق وشيك بعد جولة من التصعيد، فإن الرسالة التي تصله ليست أن بلاده قدمت تنازلات، بل أن واشنطن عادت إلى طاولة التفاوض بشروط فرضتها طهران بالصمود والردع.
لهذا السبب تحتفل الصحف المقربة من النظام بما تسميه “المعادلة الإقليمية الجديدة”. ولهذا السبب أيضاً يتحدث قادة الحرس الثوري عن “حزام أمني للمقاومة” يمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب. فالمسألة بالنسبة إلى طهران ليست ما إذا كانت الحرب انتهت، بل كيف ستُروى قصة انتهائها.
ولا تقتصر عناصر هذه الرواية على الداخل الإيراني. فعودة الحوثيين إلى إطلاق المسيّرات باتجاه إسرائيل، والتلميحات الصادرة من أذرع “محور المقاومة” المختلفة، تُستخدم جميعها لإثبات أن النفوذ الإيراني الإقليمي لم يتراجع رغم الضربات والحصار والعقوبات، بل ما زال قادراً على فرض نفسه على أي ترتيبات أمنية جديدة.
الأخطر من ذلك أن طهران تحاو ل تحويل التفاوض نفسه إلى دليل انتصار. فبينما يؤكد ترامب أن الاتفاق أصبح قريباً، يصر المسؤولون الإيرانيون على أنهم ليسوا في عجلة من أمرهم، وأن الولايات المتحدة هي التي تسعى إلى التفاهم. إنها معادلة نفسية وسياسية دقيقة: الأميركي يريد الاتفاق لأنه يخشى الحرب، أما إيران فتفاوض لأنها قادرة على فرض شروطها.
قد لا تعكس هذه الصورة حقيقة موازين القوى على الأرض. وقد تكون إيران أبعد ما تكون عن تحقيق انتصار استراتيجي حقيقي. لكن السياسة لا تُبنى على الوقائع فقط، بل على الروايات أيضاً. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تكون الرواية أهم من الحدث نفسه.
لهذا تبدو طهران اليوم أقل اهتماماً بنتائج الجولة العسكرية الأخيرة من اهتمامها بالاستثمار السياسي فيها. فهي تريد إقناع شعبها وحلفائها وخصومها بأنها خرجت من المواجهة أقوى مما دخلتها. وكلما ازداد الحديث الأميركي عن قرب الاتفاق، ازدادت قدرة النظام الإيراني على تسويق هذه الرواية.
بهذا المعنى، قد لا يكون الإنجاز الأكبر الذي حققته الجمهورية الإسلامية في الأيام الأخيرة عسكرياً أو دبلوماسياً، بل نجاحها في تحويل اندفاعة ترامب نحو الاتفاق إلى مادة لبناء سردية نصر جديدة.
