عندما يؤكد بعض الأزواج بثقة أن «علاقتنا متينة لا تهزّها الظروف»، يطرح ذلك سؤالًا مهمًا: كيف تُبنى متانة العلاقة فعلًا؟ هل تقوم على التوافق، والمشاريع المشتركة، والتواصل المثالي ، ووضع قواعد واضحة للحياة؟ أم أن السر يكمن في تلك «التفاصيل الصغيرة» التي تصنع الفارق الحقيقي؟
كثير من الباحثين حاولوا الإجابة عن هذه الأسئلة. وفي دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Couple and Family Psychology: Research and Practice، ركّز الباحثان ليجينغ ما وإيدي كلارك من جامعة سانت لويس على ما يُعرف بـ«نظرية الاختراق الاجتماعي». ولتوضيحها، استخدما صورة البصلة: فكما تُقشَّر طبقة بعد أخرى، تُبنى العلاقة من خلال مشاركة معلومات سطحية أولًا، ثم كشف طبقات أعمق من الذات تدريجيًا.
السر لتعزيز العلاقة؟ المصارحة
تعود نظرية الاختراق الاجتماعي إلى سبعينيات القرن الماضي، حين طوّرها عالما النفس إروين ألتمان ودالماس تايلور. وتقوم فكرتها الأساسية على أن الألفة تُبنى عبر الكشف التدريجي عن الحياة الداخلية للفرد. وكما يشير الباحثان، «إذا لم يتشارك شخصان معلومات شخصية، فمن المرجح ألا تصبح علاقتهما حميمة». فالحب العميق يتطلب الجرأة على الانكشاف.
لكن الأمر لا يتعلق بسرد تفاصيل اليوم بدقة مملة، بل بمشاركة المشاعر والشكوك ونقاط الضعف. كأن يعترف أحدهما بمخاوف مهنية، أو يستعيد ذكرى مؤلمة من الطفولة، أو يبوح بشعور بالغيرة أو عدم الأمان. هذه «الطبقات الداخلية» هي التي تخلق شعورًا بالخصوصية والترابط العميق.
المصارحة… من أجل علاقة وصحة أفضل
شملت الدراسة 385 بالغًا يعيشون في علاقات منذ نحو تسع سنوات في المتوسط. وقاس الباحثون مدى استعدادهم للمصارحة، سواء في أوقات الفرح أو الضيق، إلى جانب مؤشرات مثل الثقة، والالتزام، والرضا العاطفي، وتقدير الذات. كما جرى تقييم الصحة الجسدية كما يراها المشاركون أنفسهم.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الأكثر ميلًا إلى مصارحة شركائهم كانوا يتمتعون بصحة جسدية أفضل وفق تقييمهم الذاتي. ويرتبط هذا التأثير بعاملين رئيسيين: جودة العلاقة وتقدير الذات. فتعزيز الثقة والرضا يقلل من التوتر المزمن، وهو عامل معروف بتأثيره السلبي في الصحة.
لماذا تقوّي الهشاشة العلاقة؟
المصارحة تنطوي دائمًا على مخاطرة: احتمال التعرض للحكم أو الرفض أو التقليل من الشأن. لكن عندما تُستقبل باعتفام وتعاطف، تنشأ دائرة إيجابية. إذ تعزز الكلمات المتبادلة تقدير الذات، ويترسخ شعور مطمئن: «يمكنني أن أكون على طبيعتي». وهكذا تنمو الثقة ويقوى الالتزام.
وأشار الباحثون إلى أن هذه التأثيرات كانت أكثر وضوحًا لدى النساء، حيث لعبت الثقة والرضا العاطف ي دورًا وسيطًا أقوى.
عمليًا، قد يكون قول «أنا لست بخير اليوم» بدل الانسحاب في صمت، أو مشاركة قلق مالي بدل كتمانه، خطوة بسيطة لكنها حاسمة. أما كبت المخاوف، فقد يفاقم التوتر ويخلق مسافة خفية بين الشريكين.
باختصار، قد تكون «نظرية البصلة» تذكيرًا بسيطًا وفعّالًا: العلاقة القوية تُبنى طبقة بعد طبقة… وبقليل من الشجاعة في البوح.
