لم يكن بيان «حزب الله» الأخير بشأن الرد الصاروخي الإيراني على إسرائيل مجرد موقف تضامني مع طهران، بل بدا أقرب إلى محاولة سياسية وإعلامية منظ مة لإعادة تسويق الدور الإيراني في لبنان بعد أشهر من الكلفة الباهظة التي دفعها اللبنانيون نتيجة ربط الساحة اللبنانية بالصراعات الإقليمية.
فاللافت أن الحزب حاول في بيانه قلب المشهد رأساً على عقب. فبدلاً من مناقشة حقيقة أن الضاحية الجنوبية وسائر المناطق اللبنانية تعرضت للاستهداف بسبب انخراط لبنان في محور المواجهة الإقليمي، سعى إلى تقديم إيران بوصفها الجهة التي هبّت للدفاع عن لبنان وإنقاذه من العدوان الإسرائيلي، وكأن طهران لم تكن شريكاً أساسياً في السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة أصلاً.
البيان بدا كأنه محاولة لإقناع اللبنانيين بأن إيران هي التي «شالت الزير من البير» وأوقفت المدفع الإسرائيلي، فيما الواقع أن لبنان وجد نفسه مرة جديدة ساحة لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية. فبدلاً من أن يشرح الحزب للبنانيين لماذا أصبح أمن الضاحية مرتبطاً بحسابات طهران وواشنطن وتل أبيب، ولماذا يبقى الجنوب “قيد القضم”، قرر أن يحول الضربة الإيرانية إلى شهادة حسن سلوك سياسية للجمهورية الإسلامية.
ولم يكتف الحزب بالإشادة بإيران، بل انتقل إلى مهاجمة الدولة اللبنانية نفسها. فكل من اعترض على تحويل لبنان إلى ورقة في المفاوضات الإقليمية أو انتقد السلوك الإيراني، جرى تصويره في البيان و كأنه يعمل ضد مصلحة لبنان أو ينفذ «إملاءات خارجية». وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالحزب الذي يرفض أي انتقاد للدور الإيراني باعتباره تدخلاً في شؤون لبنان، يطالب في الوقت نفسه بإعادة تموضع السياسة الخارجية اللبنانية بما يتناسب مع المصالح الإيرانية.
والأخطر أن البيان حاول مصادرة قرار الدولة بالكامل. فهو لا يتحدث عن استراتيجية لبنانية مستقلة لاستعادة الأراضي أو إعادة الإعمار أو إعادة النازحين، بل يربط كل هذه الملفات بما يسميه «المظلة الإقليمية الجديدة» وبعناصر القوة التي يمثلها محور المقاومة. بمعنى آخر، لا مكان للدولة إلا بوصفها ملحقاً بالمشروع السياسي والعسكري الذي يقوده الحزب وحلفاؤه.
كما يكشف البيان عن محاولة واضحة لتبرئة إيران من نتائج سياساتها في لبنان. فالحزب يصر على أن طهران «تساند لبنان وليس العكس»، متجاهلاً أن عشرات الآلاف من اللبنانيين دفعوا أثمان الحروب والمواجهات التي جرى ربطها على مدى سنوات بأجندات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية. ويطلب من اللبنانيين أن يشكروا إيران على المساعدة في إطفاء حريق ساهمت سياساتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إشعاله.
في جوهره، لا يعكس البيان ثقة بالنفس بقدر ما يعكس أزمة سردية يعيشها الحزب بعد التحولات التي شهدتها المنطقة ولب نان. فهو يحاول إقناع اللبنانيين بأن إيران هي مفتاح الحل بعدما كانت جزءاً أساسياً من المشكلة، وأن المخرج يكمن في تعميق الارتباط بالمحور نفسه الذي قاد البلاد إلى واحدة من أخطر مراحلها الأمنية والسياسية.
لذلك يمكن قراءة البيان باعتباره محاولة لاستثمار أي ضغط إيراني على إسرائيل من أجل إعادة تعويم النفوذ الإيراني داخل لبنان، وإعادة فتح النقاش حول موقع طهران في المعادلة اللبنانية. لكن المشكلة أن اللبنانيين لا يسألون اليوم من أطلق الصواريخ الأخيرة فقط، بل من أوصل البلاد إلى مرحلة باتت فيها الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب ومستقبل الدولة اللبنانية كلها رهينة رسائل متبادلة بين العواصم الإقليمية.
ومن هنا، يبدو أن الهدف الحقيقي للبيان ليس الاحتفاء برد إيراني بقدر ما هو توجيه رسالة داخلية: إذا كانت السلطة اللبنانية تراهن على الدولة والمؤسسات والتفاهمات الدولية، فإن «حزب الله» يريد إعادة فرض معادلة مختلفة عنوانها أن الأمن والحرب والسلم وإعادة الإعمار والعلاقات الخارجية لا تزال تمر أولاً عبر طهران. وهذه بالضبط هي الرسالة التي تزداد صعوبة تسويقها لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين باتوا يعتبرون أن إنقاذ لبنان يبدأ بفك ارتباطه بصراعات المحاور، لا بتعميقها. :::
