فيما تنشغل طهران بتسويق “انتصارها” في المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، وفيما يتحدث مسؤولوها عن “معادلات جديدة” و”نظام أمني إقليمي مختلف”، كان جنوب لبنان يدفع الثمن مجدداً.
فباسم مناصرة “حزب الله”، وباسم الدفاع عن لبنان، وباسم المواجهة مع إسرائيل، وجد عشرات آلاف الجنوبيين أنفسهم أمام موجة نزوح جديدة، بعدما وسّع الجيش الإسرائيلي دائرة إنذارات الإخلاء لتشمل مدينة صور ومحيطها، وصولاً للمرة الأولى إلى الحي المسيحي في المدينة.
المشهد في صور كان كفيلاً بتبديد كل خطابات “الانتصار”. سيارات محمّلة بالأمتعة، عائلات تبحث عن ملاذ آمن، طرقات مكتظة بالنازحين، وسكان يغادرون حاملين ما استطاعوا حمله من منازلهم. بعضهم لم يكن يعرف إلى أين يتجه، فيما فضّل آخرون البقاء على أمل ألا تطالهم الغارات.
وجاءت موجة النزوح الجديدة على وقع هجمات إسرائيلية متواصلة استهدفت مدينة صور وقرى قضائها، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي أن عملياته مرتبطة بما وصفه بنشاطات لـ”حزب الله” في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تواصلت العمليات العسكرية في مناطق النبطية ومرتفعات بوفورت، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى وتدمير إضافي للبنية السكنية.
المفارقة أن هذا المشهد الميداني تزامن مع احتفالات سياسية وإعلامية في طهران. فبينما كانت العائلات اللبنانية تغادر منازلها، كانت الصحف الإيرانية تتحدث عن “انتصار كبير”، وكان المسؤولون الإيرانيون يعلنون أن “الن ظام الأمني في المنطقة قد تغيّر”.
أما المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني، فاعتبرت أن إيران ولبنان لا يقاتلان نيابة عن بعضهما البعض، بل يجمعهما “عدو مشترك”. غير أن سكان صور والقرى الجنوبية لا يبدو أنهم وجدوا في هذه المعادلات ما يحمي بيوتهم من الغارات أو يمنع تكرار مشاهد النزوح والتهجير.
هكذا، وبينما تتصارع السرديات السياسية بين طهران وواشنطن وتل أبيب، يبقى الواقع الجنوبي أكثر بساطة وقسوة. فكل حديث عن انتصارات إقليمية أو معادلات جديدة يصطدم بحقيقة واحدة: أن جنوب لبنان ما زال في مهب الريح، وأن سكانه هم أول من يدفع ثمن الحروب.
